الراغب الأصفهاني
658
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
ومنها النار التي يوقدونها ليحيروا بها الظباء بالليل ويهوّلوا على الأسد إذا حدق إليها . ما يتراءى من النيران ولا حقيقة لها يحكى أن السعالي « 1 » توقد نارا حوالي الإنسان تخوّفهم بها . قال عبيد الأبرص : للّه درّ الغول أي رفيقة * لصاحب قف خائف متقتر أرفت بلحن فوق لحن وأبعدت * حوالي نيرانا تبوخ وتزهر ونار حباحب وقيل أبي حباحب ، وهو ما يكون من الأكسية ونحوها مما لا حقيقة له من النيران . ونار البرق وكل نار تحرق العود إلا نار البرق فإنها تجيء بالمطر . وتحدث حدة الشجر ونار اليراعة ، وهي طائر كبعض الطيور بالنهار وإذا طار بالليل فهو كشهاب قبس ، ويلمح لها لمع ينض « 2 » ويلمع من بعيد ، فإذا دنوت منها لم ترها شيئا . والعرب تقول أكذب من يلمع . أنواع مختلفة من ذلك قال بعضهم : كأنّ نيراننا في جنب قلعتهم * مصقلات على أرسان قصار وقال البحتري في حريق وقع في دار المعتز : ما كان قدر حريق إن بنيت له * وكلّنا قلق الأحشاء حرّان تفاءل الناس واشتدت ظنونهم * والفأل منه لبعض الناس تبيان وأيقنوا أنّ تنوير الحريق هو الدّن * يا تملكها والنّار سلطان وقال بعض الحكماء : النيران أربع : نار تأكل وتشرب وهي نار المعدة ، ونار تأكل ولا تشرب النار الموقدة ، ونار تشرب ولا تأكل ، وهي نار الشجر ، ونار لا تأكل ولا تشرب ، وهي نار الحجر . مدح السراج قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : المصباح مطردة للشيطان ، مذبّة « 3 » للهوام مدفعة « 4 » للصوص . وقال النابغة : ولا يضلّ على مصباحها الساري
--> ( 1 ) السعالي : جمع سعلاة وهي أنثى الغول . ( 2 ) ينض : يسيل قليلا أو يرشح . ( 3 ) المذبّة : ما يذبّ أي يدفع به الذباب ، جمع مذبّات ومذاب . ( 4 ) المدفعة : ما يدفع به اللصوص .